أحمد بن محمد المقري التلمساني
122
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
المستأسد ، أو شعرت ببعض الإيناس ، في الركوب بين الناس ، ما التذّت إلّا بحلم كاذب ، أو جذبها غير الغرور جاذب ، إنما راكبك من يحدّق إلى الحلية والبزّة ، ويستطيل مدة العزّة ، ويرتاب إذا حدثت بخبرك ، ويتتبّع بالنقد والتجسّس مواقع نظرك ، ويمنعك من مسايرة أنيسك ، ويحتال على فراغ كيسك ، ويضمر الشرّ لك ولرئيسك ، وأي راحة لمن لا يباشر قصده ، ويمشي إذا شاء وحده ؟ « ولو صحّ في هذه الحال للّه تعالى حظّ وهبه زهيدا ، أو عين « 1 » الرشد عملا حميدا ، لساغ الصّاب « 2 » ، وخفّت الأوصاب « 3 » ، وسهل المصاب ، لكن الوقت أشغل ، والفكر أوغل ، والزمن قد عمرته الحصص الوهمية ، واستنفدت منه الكمية ، أما ليله ففكر أو نوم ، وعتب بحراء الضرائر ولوم ، وأمّا يومه فتدبير ، وقبيل ودبير ، وأمور يعيا بها ثبير « 4 » ، وبلاء مبير « 5 » ، ولغط لا يدخل فيه حكم كبير ، وأنا بمثل ذلك خبير ، واللّه « 6 » يا سيدي ومن فلق الحبّ ، وأخرج الأبّ « 7 » ، وذرأ من مشى ومن دبّ ، وسمّى نفسه الربّ ، لو تعلّق المال الذي يجرّه هذا القدح ، ويوري سقيطه هذا القدح ، بأذيال الكواكب ، وزاحمت البدر بدره بالمناكب ، لما ورثه عقب ، ولا خلص به محتقب « 8 » ، ولا فاز به سافر ولا منتقب ، والشاهد الدول ، والمشائيم الأول : فأين الرباع المقتناة ؟ وأين الديار المبتناة ؟ وأين الحوائط المغترسات ؟ وأين الذخائر المختلسات ؟ وأين الودائع المؤمّلة ؟ وأين الأمانات المحمّلة ؟ تأذّن اللّه بتتبيرها « 9 » ، وإدناء نار التّبار من دنانيرها ، فقلّما تلقى أعقابهم إلّا أعراء الظهور ، مترمقين لجريات الشهور ، متعلّلين بالهباء المنثور ، يطردون من الأبواب التي حجب عنها آباؤهم ، وعرف منها إباؤهم ، وشم من مقاصيرها عنبرهم وكباؤهم ، ولم تسامحهم الأيام إلّا في إرث محرّر ، أو حلال مقرّر ، وربما محقه الحرام ، وتعذّر منه المرام . هذه - أعزّك اللّه ! - حال قبولها مع الترفيه ، ومالها المرغوب فيه ، وعلى فرض أن يستوفي العمر في العزّ مستوفيه ، وأمّا ضدّه من عدوّ يتحكّم وينتقم ،
--> ( 1 ) في ب « وعين الرشد » . ( 2 ) الصاب : عصارة شجر مرّ كريه الطعم . ( 3 ) الأوصاب : جمع وصب ، وهو المرض . ( 4 ) ثبير - بفتح الثاء - اسم جبل . ( 5 ) مبير : مهلك . ( 6 ) في ب « وو اللّه يا سيدي » . ( 7 ) الأب - بتشديد الباء - المرعى . ( 8 ) محتقب : محتمل ، وأصله الذي يضع في حقيبته . ( 9 ) التتبير : الإهلاك . والتبار : الهلاك .